رواية أيهم ورد الفصل السادس 6 - بقلم الست ورد
..6..
"كانت كلماتنا الأولى انعكاسًا خفيًا لما يضج به قلبي تجاهك. لا أدري إن كان إعجابًا عابرًا أم شيئًا أعمق يترسّخ في أعماقي، لكنني على يقين بأن هذا القلب الأحمق سيسقط يومًا ما أسيرًا لك. ما أجهلك بحقيقة مشاعري! تظنني مجرد صديقة وفية، تبوح لك بآلامها، تحدّثك عن أب لم يهبها الحب يومًا، بينما يغفل عقلك عن أنني أودّ لو أبوح لك بشيء آخر، شيء أشد عمقًا وأقسى وقعًا. يا لي من بلهاء! لقد اعتدت أن أوثّق لقاءاتنا، أن أخلّد لحظاتنا بالتواريخ، لكنك، بغير دراية منك، سرقت مني هذا الشغف، حتى نسيت أنني كنت يومًا أسيرة التفاصيل."
"7:1:2019"
كان يقلب بين الأوراق، يشعر بوخزة غيرة تنهش في قلبه، لا يدري لمَن هذا الكلام، لكنه أدرك أنه كتب بإحساس جارف. شعر بحاجة لمعرفة المزيد، فتناول آخر ورقة، علّه يكتشف الحقيقة، لكن الصدمة شلّته وهو يقرأ:
"لست قادرة على الكتابة، ولا على البوح، ولا حتى على الصمت. كل ما في داخلي يصرخ، كل ما في قلبي يتهاوى، لكن كلماتي تخونني كما خانني هو. حبُّ عمري، ذلك الذي وعدني يومًا بأنه لي، بأنه لن يكون لغيري، كسر وعده اليوم، ووقف أمام الجميع ليخطب أختي!
أشعر بجبل يجثم فوق صدري، بثقل لا يرحل، وكأن الهواء قد صار سميكًا، يمنعني حتى من البكاء. ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟ بأي ذنب أحببته؟ أعطيته قلبي دون تردد، لكنه لم يكن أهلًا لهذا الحب، لم يكن قادرًا على أن يكون لي كما كنت له.
اليوم، لم يخلف وعده، بل أوفى به، لكن ليس لي، بل لها."
"5:2:2020"
ارتجف قلبه وهو يقرأ السطور الأخيرة، قبل أن يهمس بصوت بالكاد يُسمع:
"أنا مش فاهم حاجة..."
مسح شعره بيديه بحركة لا إرادية، يحاول أن يستوعب الصدمة. تذكر شيئًا كان يخشى وجوده، فبدأ يقلب في أنحاء الغرفة بجنون، يبحث عنه. كاد أن يطمئن عندما لم يجده، لكن عينه وقعت على صندوق صغير في دولابها، كُتب عليه:
"رسائل بلا عنوان"
أغمض عينيه بقوة، يعلم جيدًا ما الذي قد يجده بداخله، لكنه لم يستطع منع نفسه من فتحه. عبس وجهه وهو يرى الرسائل، وعرف فورًا رائحتها.
كانت رسائله هو!
تذكر حديثهما ذات يوم:
"أنا بحب أوي الرسائل الورقية، بحسها بترجعني لجو الألفينات الأبيض والأسود."
ومنذ ذلك الحين، كان يرسل لها رسائل معطّرة برائحته.
"لو هتبعتلي رسائل، ابقى حطلي من برفانك، ريحته بتجنن."
ما زالت كما هي، تحتفظ بها وكأنها كنز. لكن كيف؟! كيف لم يتزوجها؟ هذا التفكير كاد يصيبه بالجنون!
نظر إلى الصندوق المليء بالرسائل والمذكرات، ثم أغلقه بعصبية، وحمله معه وهو يغادر المنزل بسرعة. حمد الله أن عمه لم يكن موجودًا، فهو لا يحتمل أي حديث الآن.
ركب سيارته، وانطلق مسرعًا نحو منزله، بينما عقله لم يكفّ عن الصراخ بسؤال واحد:
"هل هي تملك الجواب؟"
.....
"ورد يا ورد!"
صرخ بأعلى صوته عليها.
أردفت بخضة، فهي لأول مرة ترى عصبيته تلك. اقتربت منه بخوف.
"في إيه؟ قلقتني!"
ضعف أمامها، وهو لا يعرف لماذا يضعف أمامها فتغيرت نبرته للأهدي، رفع يديه بالصندوق الخاص بها.
"ممكن أعرف ده إيه؟"
شحب وجهها مما رأته، فأعاد صياغة السؤال مرة أخرى:
"ممكن أعرف ده إيه؟"
أرادت أن تجمع الكلمات التي ذهبت عن حلقها.
"دي إيه؟ معرفش ده إيه!"
رفع إحدى حاجبيه وأردف:
"والله؟"
"أنت عاوز إيه يا أيهم؟"
"عاوز أعرف ده إيه؟"
"يفرق معاك في حاجة؟"
اقتربت منه للغاية وأكملت بسخرية:
"وبعدين، أنت ليه محسسني إنك مش عارف، وأنت عارف كل حاجة من البداية؟"
"عارف إيه؟ أنا مش عارف حاجة، وأنا جايلك الوقتي علشان أفهم فيه إيه!"
أكمل حديثه بعدما أخذ نفسه:
"الرسايل دي المفروض كنتِ باعتها لرفيف، بتعمل إيه عندك؟"
عضت على شفتها السفلى كحركة تلقائية وهي تحاول ألا تبكي.
"أمال ليه كاتب اسمي فيها؟"
لم تقدر على كتم مشاعرها أكثر من هذا، لم تقدر ولن تقدر على فعل ذلك.
"خلتني أحبك واتعلقت بيك، بقيت بحكيلك كل حاجة وأنت بتحكيلي، ولا كنت بتسلى عليا؟ وعدتني إنك هتتجوزني، لكن رُحت اتجوزت أختي! قولي، أنا عملت فيك إيه علشان تعمل فيا كده؟ قولي! أنا حبيتك، قلبي المهزق حبك، ليه كسرت قلبي؟! أنت عامل زي اللي يقتل القتيل ويمشي في جنازته! وأنت عملت كده، قتلت قلبي وجاي بكل بجاحة تقولي عاوز أفهم؟!"
مسح على وجهه، وهو حقًا لا يعلم أي شيء مما تخبره به.
"ممكن تهدي؟ مش كده!"
"أهدي ليه، ها؟ أهدي ليه؟ قولي، أنا عملت إيه علشان تقولي أهدي؟!"
أكملت حديثها بصراخ:
"انطق! قولي، أنا عملت إيه علشان أبقى كده؟!"
أخذها داخل أحضانه رغم مقاومتها وصراخها الذي أنهكها.
"ابعد عني! ابعد عني! أنا بكرهكم، وأنت أولهم! ابعد عني!"
"هشش، اهدي علشان خاطري."
حملها، فشهقت من الإحراج، ووضعها على الأريكة. فتعدلت في جلستها بخجل منه. جلس بجوارها، وأمسك يديها، وباليد الأخرى مسح دموعها.
"أنا حرفيًا مش فاهم مالك، بس هسمعك الأول."
"تسمع مني إيه؟ تسمع مني إنك جرحت مشاعري وقتلتني بسكينة تلمة؟!"
"يا بنت الحلال، أنا مكلمتش غير بنت واحدة غير رفيف!"
قامت من مجلسها بغضب وأردفت:
"متجننيش! إزاي وأنا كنت بكلمك على أساس إني ورد مش رفيف يا أيهم؟!"
مسح على وجهه، وأمسك بيدها، وأجلسها على الكنبة مرة أخرى.
"تعالي اقعدي، علشان كل حاجة داخلة في بعضها أصلًا، تعالي."
أكمل حديثه بتذكير:
"أنا فعلًا كنت بكلم رفيف الأول على أساس إنها ورد!"
أصدرت صوتًا يدل على سخطها منه.
"والله العظيم، بعد ما قولتلها إني هتقدملك، قالتلي عاوزة أعترف لك باعتراف. قولتلها قولي، قالتلي إنها رفيف مش ورد، وإن ورد دي أختها، فهي خافت تقول اسمها في الأول. يومها، أنا فاكر، فضلت زعلان منها ومضايق لمدة شهر، بس في الآخر اتصالحنا، وقالتلي إنها عمرها ما هتعملها تاني."
أكمل حديثه وهو يأخذ نفسه:
"وكمان فاكر التاريخ، كان يوم 7/3/2019، قولتلها بعدها إني هتقدملك، قالتلي حاليًا مش هتعرف، لأن أختها اللي هي أنتِ، في غيبوبة! مش هكدب عليكي، لقيت كلامها كله اتغير، وطريقتها ما حبتهاش، بس قولت يمكن علشان كذبت عليا في موضوع اسمها. حاولت كذا مرة أفركش، بس قولت يمكن هتتغير بعد الجواز، بس للأسف ما حستش بأي ذرة حب ناحيتها! كنت هطلقها، بس قالتلي إنها حامل، وبعد ما ولدت ماتت، ربنا يرحمها!"
شهقت بصدمة مما سمعته، وهي تحاول أن تبعد ما تفكر به الآن. أمسك بيدها وأردف:
"والله، ده كل اللي حصل، أنا ما كدبتش عليكي، ولا كلمتك حتى، وأنا ما شوفتكيش إلا كذا مرة بس!"
"وحبيتك فيهم، وقلبي كان بيدق بسرعة لما يشوفك، كان نفسي تبقي مراتي وأم عيالي."
أردف هذا بينه وبين نفسه، لم يقوَ على إخبارها بهذا.
"أنا كده فهمت كل حاجة... كده فهمت كل حاجة!"
أردفت بتلك الكلمات بانهيار حقيقي.
أخذها في أحضانه وأردف:
"اهدي واتكلمي، اهدي لو سمحتي!"
"أنا فعلًا كنت في غيبوبة! عملت حادثة بعد آخر مرة كلمتك فيها، كانت يوم 1/3/2019، أنا فاكرة اليوم ده. بعدها فوقت من الغيبوبة اللي دامت شهر، ولما فوقت، قالولي إن رفيف اتقدملها عريس، كنت مبسوطة أوي بيها. بس بعدها بيومين، أنت اتقدمت، وكانت الصدمة إنك أنت العريس! يومها دخلت في حالة اكتئاب محدش كان يعرف سببها غيري، بس اتضح إن رفيف كانت عارفة، وكانت بتتعمد إنها تكلمك قدامي!"
"يعني أنتِ ورد اللي كنت بكلمها، مش رفيف أختك؟!"
هزت رأسها بانهيار تام، لا أحد يعلم لماذا كانت تفعل رفيف ذلك.
"علشان كده لما قلبي شافك، دق ليكي أنتِ وبس، نطق باسمك بس! أنا كنت عبيط، مش فاهم حاجة، مش فاهم إني حبيت ورد مش رفيف، كنت حاسس بالخيانة، بس ما قدرتش أشيلك من قلبي!"
دق قلبها من حديثه الذي لمس قلبها للغاية، وأردفت:
"تقصد إيه؟!"
أخذ نفسه وأمسك يديها بقوة.
"قصدي إني عمري ما حبيت، ولا هحب غيرك! أنا اللي طلبتك للجواز علشان بحبك، مش علشان تربي غيث! أنا اللي أخدت رفيف وسافرت علشان ما أضعفش قدامك، ويبان قدام الناس إني بحبك!"
"بس أنت إزاي حبتني، وأنا شبهها؟! أنت ناسي إني توأمها؟!"
ابتسم وأردف بحب:
"هتصدقيني لو قلتلك إني لما بشوفك، قلبي بينبض بقوة، ولما بشوف رفيف، قلبي ما كانش بيدق!"
أمسك بيديها، ووضعها موضع قلبه.
"بلاش وجع قلب أكتر من كده، ونرجع حبايب زي الأول."
أردف آخر كلماته، وأخذها داخل أحضانه، فتشبثت داخله بقوة.
..
•تابع الفصل التالي "رواية أيهم ورد" اضغط على اسم الرواية